التخطي إلى المحتوى

 

سأل الأستاذ طلابه عن العصر الذى يحلمون بالعيش فيه؟ ولأن جميع الطلاب قد تجاوزت أعمارهم 25 سنة، فقد تباينت الآراء على النحو التالى: الغالبية قالت إنها تحلم بالحياة فى زمن الرسول الكريم، وهناك فتاة اختارت أن تعيش فى عصور الفراعنة، وطالب شرد قليلا قبل أن يقرر أن الحياة فى العصر الأندلسى كانت حلمًا ظل يراوده، بينما أعلن طالب واحد فقط- عددهم 21 – أنه يحلم بالعيش فى الزمن المقبل.. بعد 100 سنة تحديدًا.

طرح هذا السؤال، وقيلت تلك الإجابات قبل أسابيع قليلة، الأمر الذى يكشف لنا كيف يفكر الشباب هذه الأيام، وأول خاطر يطفو على سطح العقل يتمثل فى أن هؤلاء الشباب يرفضون الواقع رفضا قاطعًا، ومعهم حق، فالواقع أمرّ من الحنظل، لكنهم يخطئون عندما يعتقدون أن الماضى كان حديقة من عسل، ذلك أن تاريخنا الإسلامى- مثل أى تاريخ بشرى- يحتشد بصراعات وخلافات وحروب، وأن ثلاثة من خلفائنا الراشدين- على سبيل المثال- قد قتلوا فى خضم الصراعات القبلية والعرقية والمصلحية.

لم يفكر هؤلاء الشباب فى المستقبل، ولم يحلموا به، بل لم يحاولوا تخيل كيف ستكون الحياة بعد قرن أو اثنين، فهل معنى هذا أنهم محرومون من نعمة الخيال؟ أغلب الظن أن هؤلاء الشباب يتمتعون بذكاء دلت عليه إجاباتهم عن أسئلة أخرى ألقاها الأساتذة، لكن المؤكد أنهم أسرى الوضع البائس الحالى من ناحية، والإلحاح اليومى الكذوب الذى يطن فى آذاننا بأن العصور السالفة كانت نقية وعادلة من ناحية أخرى.

للأسف الشديد لقد أصبحنا فى مصر نحلم بالماضى، لأن الحاضر معقد وصعب، ولا نعرف كيف نواجهه لنعمل على تغييره، وبدلا من محاولة خوض معركة تفكيك الحاضر والسيطرة عليه من أجل تجاوز مثالبه وعيوبه، هُرعنا نحو أزمنة سحيقة أشيع عنها خطأ أنها أزمنة عدل وسلام.

فلنحلم بالمستقبل، ولنحاول بهمة وعزيمة وإصرار مغالبة الظروف التعيسة التى تمسك بخناقنا، لأن الأمم لا تنهض إلا إذا نظرت للأمام.. وما أحوجنا إلى ذلك!